من قال إن الحاكم لا يخطئ؟ كيف تحوّلنا من مواطنين إلى مُصفّقين؟
الحاكم ليس إلهاً.. لماذا نقدّس الحاكم في مجتمعاتنا العربية؟
من أكثر المشاكل التي نراها في المجتمعات العربية هي تقديس الحاكم والتعامل معه وكأنه فوق النقد والمحاسبة. بمجرد أن ينتقد شخص الحاكم أو يعترض على قرار من قراراته، قد يتم اتهامه بأنه خائن أو عدو للدولة، وفي بعض الدول قد يصل الأمر إلى السجن.
لكن السؤال هنا: لماذا؟
الحاكم في النهاية إنسان مثل أي إنسان آخر. هو موظف في الدولة، لكن لديه صلاحيات أكبر ومسؤوليات أعلى من باقي الموظفين. وجوده في هذا المنصب لا يجعله إلهاً ولا يجعله معصوماً من الخطأ.
الحاكم ليس الدولة، والدولة ليست الحاكم.
هذه نقطة مهمة جداً يجب أن نفهمها. الدولة هي الشعب والمؤسسات والقوانين والأرض والتاريخ والمستقبل. أما الحاكم فهو شخص يتولى مسؤولية إدارة الدولة لفترة محددة، ومن الطبيعي أن يأتي بعده شخص آخر.
في الدول التي تحترم نفسها، لا يبقى الحاكم في منصبه إلى أن يموت، ولا يحتاج الشعب إلى ثورة أو انتفاضة أو انقلاب حتى يرحل. هناك انتخابات، وهناك فترة محددة للحكم، وبعدها يترك الحاكم منصبه ويأتي شخص آخر. وإذا أخطأ الحاكم خلال فترة وجوده في السلطة، من حق الشعب والإعلام والمعارضة أن ينتقدوه ويحاسبوه.
أما في كثير من الدول العربية، فقد تعودنا على فكرة مختلفة تماماً. الحاكم يأتي إلى السلطة ثم يتحول مع الوقت إلى رمز لا يمكن الاقتراب منه. صورته في كل مكان، اسمه يتكرر في الإعلام، والمدح يصبح جزءاً من الحياة اليومية، وأحياناً يصبح انتقاد الحاكم جريمة.
وهنا تبدأ المشكلة
عندما نربي المجتمع على أن الحاكم لا يخطئ، فإننا لا نحمي الدولة، بل نضعفها. لأن الحاكم عندما يعرف أن الناس تخاف من انتقاده، وأن المسؤولين حوله لن يقولوا له إنه أخطأ، فمن السهل أن يبتعد عن الواقع ويعيش داخل دائرة من الأشخاص الذين يقولون له دائماً: أنت على حق.
المجتمع الصحي ليس هو المجتمع الذي يمدح حاكمه طوال الوقت. المجتمع الصحي هو الذي يستطيع أن يقول للحاكم: أنت أخطأت.
النقد ليس خيانة
والاعتراض على قرار الحاكم لا يعني كراهية الوطن.
والاختلاف مع الحكومة لا يعني أنك ضد الدولة.
بل على العكس، أحياناً يكون الشخص الذي ينتقد الحاكم أكثر حرصاً على بلده من الشخص الذي يصفق له في كل مناسبة.
عندما يصبح الولاء مرتبطاً بالحاكم
هناك مثال واضح على هذه المشكلة في سوريا. خلال فترة حكم النظام السابق، كان هناك أشخاص يهتفون لبشار الأسد ويمدحونه ويدافعون عنه. وبعد سقوط النظام وتغير الواقع السياسي، أصبح بعض الأشخاص أنفسهم يهتفون للحاكم الجديد أحمد الشرع ويمدحونه بالطريقة نفسها.
المشكلة هنا ليست في تغيير موقف سياسي فقط، فالإنسان من حقه أن يغير رأيه عندما تتغير الظروف. المشكلة عندما يتحول الإنسان إلى شخص يصفق لأي حاكم يصل إلى السلطة، بغض النظر عن شخصيته أو أفعاله أو طريقة حكمه.
هذا النوع من التفكير خطير على أي دولة.
لأن الشخص الذي لا يؤمن إلا بالحاكم، وليس بالدولة، يمكن أن يغيّر ولاءه مع تغير الحاكم. اليوم يهتف لهذا، وغداً يهتف لغيره. اليوم يدافع عن النظام، وغداً يدافع عن النظام الذي أسقطه.
الوطنية الحقيقية لا تكون مرتبطة بشخص
إذا كنت تحب وطنك، فلا يجب أن يكون حبك مرتبطاً بالرئيس أو رئيس الوزراء أو أي مسؤول آخر. الحاكم يتغير، والحكومة تتغير، والأحزاب تتغير، لكن الوطن يبقى.
ولهذا يجب أن نفرق بين الدولة والحكومة والحاكم.
- يمكن أن تحب وطنك وتكره سياسة الحكومة.
- يمكن أن تحترم الدولة وترفض قرارات الحاكم.
- يمكن أن تكون وطنياً وفي الوقت نفسه معارضاً للحكومة.
هذه الأمور ليست متناقضة.
الحاكم ليس الوطن
المشكلة أن بعض المجتمعات العربية تربت على فكرة أن الحاكم هو الوطن. فإذا انتقدت الحاكم، قالوا إنك تنتقد الدولة. وإذا اعترضت على الحكومة، قالوا إنك ضد الوطن. وإذا طالبت بتغيير سياسي، قالوا إنك تريد تدمير البلد.
وهذه طريقة خطيرة في التفكير.
الحاكم ليس الوطن، والحكومة ليست الوطن، والحزب ليس الوطن.
الوطن أكبر من كل هؤلاء.
السلطة مسؤولية وليست ملكاً شخصياً
ومن المهم أيضاً أن نفهم أن الحاكم لا يجب أن يبقى في السلطة حتى الموت. السلطة ليست ملكاً شخصياً، وليست وراثة بالضرورة، وليست شيئاً يحق لشخص أن يتمسك به مهما حدث.
السلطة مسؤولية، والمسؤولية لها مدة.
عندما تنتهي المدة، يجب أن يعود الحاكم مواطناً مثل غيره، ويأتي شخص آخر ليحمل المسؤولية.
المشكلة ليست دائماً في الشخص
نحن بحاجة إلى تغيير ثقافة كاملة، وليس فقط تغيير شخص في قصر الحكم.
إذا ذهب حاكم وجاء حاكم آخر، وبقي الشعب نفسه يصفق للحاكم الجديد ويضع صوره في كل مكان ويخاف من انتقاده، فلن يتغير شيء حقيقي.
المطلوب ليس أن نبحث عن حاكم جديد نقدسه.
المطلوب أن نتعلم ألا نقدس أي حاكم.
الدولة فوق الأشخاص
نريد دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، ويستطيع المواطن أن ينتقد المسؤول من دون أن يخاف من السجن، ويستطيع الإعلام أن يسأل، والمعارضة أن تعارض، والحاكم أن يعرف أنه في النهاية موظف لدى الدولة والشعب، وليس مالكاً لها.
عندما نفهم هذه الفكرة، نكون قد بدأنا فعلاً ببناء مجتمع أكثر وعياً.
لأن الدولة القوية ليست الدولة التي يخاف فيها الناس من الحاكم.
الدولة القوية هي الدولة التي لا تحتاج إلى الخوف من الحاكم أصلاً.


