
تحت قشرة الأرض في أمريكا الجنوبية، ترقد ثروة سوداء هائلة ظلت لسنوات طويلة أسيرة لأزمات طاحنة، قبل أن تحرك المياه الراكدة تطورات متسارعة غيرت وجه المشهد جذرياً. لم تكن هذه التغيرات وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجاً لسلسلة من الأحداث الدراماتيكية التي أعادت تشكيل مستقبل دولة تتربع على عرش الاحتياطيات العالمية.
تعود جذور المشهد الراهن إلى أزمة قاسية عصفت بالبلاد بين عامي 2014 و2021، دفعت بملايين المواطنين إلى شفا الفقر، حيث تهاوت القدرة الشرائية ليصبح الحد الأدنى للأجور أقل من دولار واحد شهرياً. ورغم المساعدات الحكومية التي قد تصل إلى 240 دولاراً، ظلت الفجوة شاسعة مقارنة بتكلفة السلة الغذائية المقدرة بنحو 730 دولاراً. وفي خضم هذه المعاناة، شهدت الساحة قبل تسعة أشهر تحولاً مفصلياً إثر عملية عسكرية خاطفة نفذها الجيش الأمريكي، أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو.
عقب هذا الحدث، تولت ديلسي رودريغيز مقاليد السلطة كرئيسة مؤقتة، لتبدأ مساراً جديداً تمثل في إصدار قرارات تنهي احتكار الدولة شبه الكامل، وتشرع أبواب قطاعي التعدين والمحروقات أمام رؤوس الأموال الخاصة والأجنبية. وتزامناً مع ذلك، خففت الولايات المتحدة من وطأة العقوبات التي كبلت الاقتصاد سابقاً، مما أثمر عن انتعاش ملحوظ؛ إذ ارتفع الإنتاج بنسبة 29.8% بين شهري يناير ويوليو، مسجلاً 1.2 مليون برميل يومياً، وإن ظل هذا الرقم بعيداً عن أمجاد ربع قرن مضى حين قارب الضخ ثلاثة ملايين برميل.
وتسارعت وتيرة الأحداث وصولاً إلى يوم الجمعة الماضي، حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إبرام إدارته معاهدة استراتيجية مع كراكاس. تمنح هذه الخطوة واشنطن السيطرة على الجزء الأكبر من الاحتياطيات الفنزويلية، والتي تفوق 65 مليار برميل. وأوضحت السلطات المحلية أن الخطة تشمل 17 حقلاً حيوياً باستثمارات تلامس 100 مليار دولار، غايتها انتشال القطاع المتردي من عثرته.
وسرعان ما خرجت الرئيسة المؤقتة، السبت، لتدافع عن الاتفاقية، مؤكدة سعيها لتحويل ثروات باطن الأرض من أرقام جامدة إلى مصدر للرفاه المجتمعي. غير أن شريحة واسعة من المواطنين استقبلت النبأ بتوجس؛ فغصت منصات التواصل الاجتماعي بانتقادات تركزت على ضعف المردود المتوقع وفقدان السيادة الوطنية، لاسيما بين المناهضين للنفوذ الأجنبي.
وفي الأوساط المهنية، تباينت القراءات. فقد رجح الأستاذ في معهد الدراسات العليا للإدارة، أوزالدو فيليزولا، ألا تظهر ثمار زيادة الإنتاج قبل ثلاث أو أربع سنوات، معتبراً في الوقت عينه أن الضمانة الأمريكية تعد عاملاً إيجابياً لبلد عجز عن استقطاب استثمارات كبرى لأكثر من عقد، ومشيراً إلى عدم امتلاك الشركة الوطنية الموارد الكافية للقيام بهذه المهمة. من جهته، اعتبر إلياس فيرير، مؤسس مركز الأبحاث “أورينوكو ريسيرش”، أن تدفق الاستثمارات بحد ذاته خبر سار، فالموارد غير المستغلة لا تفيد أحداً، ملمحاً إلى استغلال ترامب لنفوذه بغية انتزاع شروط مريحة للغاية. وتتفق نائبة وزير الطاقة السابقة، المحامية دولوريس دوبارو، مع الرأي القائل بأن التنفيذ السليم للمشروع سيمهد لنهضة جديدة.
في المحصلة، يعكس هذا المشهد المعقد تقاطعاً حاداً بين إرث ثقيل من التعثر الاقتصادي ومحاولات جذرية للخروج من النفق المظلم، حيث تقف القيادة الجديدة أمام تحدي الموازنة بين الحاجة الماسة للسيولة، وبين تهدئة مخاوف الشارع من فقدان السيطرة على المقدرات الوطنية. ويبقى الرهان الحقيقي معقوداً على مدى كفاءة تنفيذ هذه البنود الاستثنائية، وقدرتها الفعلية على تذليل العقبات المقبلة لتحويل مسار بلد غني أنهكته الصراعات إلى واقع أكثر استقراراً.


